حيدر حب الله
267
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
للقول بأصالة البراءة ما دام الأصل الاشتغال ، سواء وصل الخطاب الشرعيّ أم لم يصل ، وما على الفقيه إلا أن يتوصّل إلى الحكم الشرعي بالدليل العقليّ المستقلّ بقياس العلة أو بقياس الحكمة . وبناءً على ما تقدّم فإنّ الفقيه مأمور بالقول بالطلب أو بالترك ، فإن لم يجد فبالإباحة ، لا بأصالة البراءة ؛ لأنّ الواقعة لا بد أن تُحكم بواحدة من الأحكام الخمسة ، لا بالبراءة ، فما رأي سماحتكم ؟ * كلّ ما قلتموه - إذا لم يكن عندي قصور أو اشتباه في فهم كلامكم - صحيح ، لكن على مستوى الحكم الواقعي ، وذلك أنّ الاجتهاد يقوم على مبدأ التمييز بين الأحكام الواقعيّة الأوّلية التي نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ، وهذه لا يوجد فيها شيء اسمه البراءة ؛ لأنّ الواقعة لا تخلو من تحريم أو وجوب أو استحباب أو كراهة أو إباحة ، فلا براءة في البين بالمعنى الاصطلاحي لكلمة براءة . لكنّ فكرة البراءة جاءت من أنّ الشريعة الواقعيّة غير منكشفة لنا تماماً ، فهناك ضبابٌ يخيّم على مساحات من الأحكام الشرعيّة ، فلا نعرف هل الوجوب هو الفريضة في هذه الواقعة أم التحريم أم الإباحة ؟ وفي هذه الحال يذهب الفقيه - حيث لا علم له بالحكم الشرعي - إلى ما نسمّيه بالأمارات الظنيّة ، فإذا وجد عندها ما يكشف عن الحكم الشرعي في الواقعة كشفاً ولو ظنيّاً معتبراً ، أخذ به وحكم بالوجوب أو بالإباحة أو بالتحريم أو بالكراهة في هذه الواقعة أو تلك مثلًا ، لكن لو انسدّت الطرق أمامه بحيث لا يعرف ما هو الحكم الواقعي الذي شرّعه الله سبحانه وتعالى في هذه الواقعة المعيّنة ( كشرب التتن مثلًا ) ، ولم يقم عنده ما يوجب اليقين بحكم الله سبحانه ، ولا توفّرت بين يديه أدلّة ظنيّة معتبرة ( لا سيما بعد إبطال نظريّة القياس عند الإماميّة ) ، ففي هذه الحال